المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إمارة بني عُمر / عهدالأمير بخروش بن عَلاَّس الزهراني


علي بن سدران
05-22-2006, 10:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
إمارة بني عُمر
عهد
الأمير بخروش بن عَلاَّس بن مسعود الزهراني
بين يدي المقال
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد :
فلقد سرني جدًّا أن ينقل أخي الدكتور عبدالرزاق بن حمود الزهراني ، مقالي عن مشيخات زهران في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين ، من موقع بوابة الباحة إلى موقع آخر ، لِمَا رأى فيه الدكتور من معلومات ذات قيمة تاريخية ، فأراد جزاه الله خيرا تعميم الفائدة ، والدكتور عبدالرزاق ، مَن نعرف له جميعا - بلا مجاملة – وندين له بالسبق في ميادين الفكر والثقافة والعطاء الأدبي اللا محدود ، وإن كنت دون ما ذكر أبو أحمد ، في ثنائه على المقال وكاتبه ، وللحقيقة فإن الدكتور عبدالرزاق بن حمود ، ضمن نخبة من الأصدقاء من أهل الفكر والأدب والمكانة الرفيعة في مجتمع زهران وغامد لهم الفضل بعد فضل الله سبحانه وتعالى ، في تحفيزي للكتابة عن قبيلتي (زهران ، وغامد) ، ولذا فإنني مدين لهم بما كتبت من نزر يسير عن هاتين القبيلتين ، وهذا أقل ما يمكن تقديمه لخدمة السابقين من رجالها ، والتعريف بفضائلهم .
وكعرفان بجميل أخي العزيز الأخ الدكتور عبدالرزاق بن حمود الزهراني ، وثقته فيما أكتب، سطرت هذه الأسطر المتواضعة شكرا مني لأبي أحمد على صنيعه ، عسى أن أكون عند حسن ظنه وظن من يقرأ مقالاتي ، وختاما أهمس في أذن دكتورنا العزيز وأسرة موقع بوابة الباحة ، والإخوة محبي التاريخ من زهران وغامد وغيرهم عبر موقع منتديات قبيلة قريش بزهران بأن ذلك المقال الذي نقله الدكتور (أبو أحمد) هو مقتطف من كتاب باسم (بطون قبيلة زهران . شيوخها . أسواقها . شَدَّاتها) . وهو تحت الطبع حاليا، وسوف يرى النور بإذن الله قريبا ، ولجميع مَن ذكرت بعاليه التحية والتقدير (دون تخصيص) . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
24/4/1427 علي بن محمد سدران الزهراني
إمارة بني عُمر
عهد
الأمير بخروش بن عَلاَّس بن مسعود الزهراني
إمارة بني عُمر هي إحدى الإمارات الثلاث (بنو عمر ، ومشيخة دوس الكبرى ، ومشيخة بني أوس) التي دخل تحت ألويتها جميع قبائل زهران ، سراة وتهامة ، وهي قديمة النشأة . إلاَّ أننا لا نعرف تاريخاً حقيقياً لنشوئها ، ولا يُعرف من أمرائها سوى الأمير بخروش بن علاَّس بن مسعود القرشي الزهراني ، واثنين حكما من بعده ، وكلَّ ما نعرفه عنه وعن إمارته نتفا من أقوال بعض المؤرخين أغلبهم من الأجانب ، أو بعض ما تناقلته الرواة بدءا من أواخر الثلث الأول من القرن الثالث عشر الهجري ، يعوزها التوثيق ولا تسلم في مجملها من المبالغة ، واستمرت هذه الإمارة إلى قريبا من نهاية النصف الأول من القرن الرابع عشر ، وكانت على صلة وثيقة بحكَّام الأسرة السعودية الأولى .
وقد ذُكر في بعض الوثائق أن الأمير بخروش بن علاس ، كان لديه نظام يشبه قانون الأحوال الشخصية المعمول به في بعض البلاد ، تعارفت القبائل على تسميته بـ (مِلَّة بخروش) ، استمر العمل به في قبائل زهران بعد وفاته إلى ما يزيد على ستين سنة ، فقد ورد في وثيقة لدى عريفة قرية الدَّعبة ( 1) في قضية رجل من بني مالك ، وآخر من قرية الدعبة إحدى قرى قبيلة بني حُرير ، ما يلي : (.. وإن قلت يا بن سرحان ما يرضيني إلاَّ حكم الطبيعة ، فأنت تلف ثمانية من عرايف بني مالك الأربعة البدود ، والدعيبي يلف ستة من زهران ، الثلاثة البدود ( 2) ، والميعاد عند محمد بن مبارك ( 3) إنْ قالوا بني مالك وزهران بحثنا ما جاء في مِلَّة بخروش - أي رجعنا إلى ما ورد في هذه القضية من حكم بموجب قانون الأمير بخروش بن علاَّس- أول وآخر بعثنا لكم يا سراحين من جائز القبائل ، ويعطونكم الحق) انتهى الاقتباس .
كما أن بيت مال إمارته لم يكن بقرية الحسن مقر الإمارة ، ولا في مسقط رأسه بقرية الْعُدَيَّة، ولا في أية قرية من قرى قبيلته قريش ، وإنما كان في قرية آل صُقَاعَة ، إحدى قُرَى قبيلة بني جُندب ، على بعد حوالى خمسة عشر كيلا جنوبي مقر الإمارة ، وفي إبعاد ذلك المرفق المالي الحيوي عن مقر الإمارة ، دلالة على حنكته السياسية ، وتجربته الحربية التي تنم عن دهاء خارق ، فهو يتوقع في تلك الفترة العصيبة هجوم العدو في أية لحظة ، ولا يستطيع معرفة الخاسر من الفائز فكان إبعاد بيت المال عن مقر الإمارة وهو الذي عليه قوام حياتها بعد الله خطة من خطط الحرب التي قلما يتنبه لها إلا مَن أُعطي بُعد نظر وسداد في الرأي ، بحيث يستطيع الإبقاء على مال الإمارة حال هجوم العدو على مقر إمارته . وذلك بإنفاذ من يُبَلِّغُ أمين بيت المال بإخفاء ما في الخزينة عن طريق نقله إلى مكان آمن ، قبل أن يتمكن العدو من احتوائه فيما لو استولى على البلدة .
وما عدا ذلك فقد ضنَّ التاريخ بتقديم المزيد من المعلومات عن هذه الشخصية الفذة الأمير بخروش الزهراني ، وعن نشوء هذه الإمارة وأحوالها الاقتصادية والأمنية ، ونظمها العسكرية والاجتماعية .
وقد ورد اسمه ضمن شهود الصُّلْح الذي جرى بين كبار قبيلة قريش سنة : 1199 ه‍ ، بسبب اختلافهم على زعامة سوق الخميس ( 4) بالأطاولة ، مما يجعلنا نرجح استلامه زمام الإمارة مع بداية القرن الثالث عشر الهجري ، إذْ لو كان قبل ذلك التاريخ أميرا لما تنازعت القبيلة في وجوده على الزعامة ، وهو من قرية الْعُدَيَّة إحدى قُرَى قبيلة قريش القاطنة شمال سراة زهران ، على حدود بالحارث وغامد شمالاً وغامد شرقاً ، وقاعدة حكمه قرية من قُرَى قبيلة قريش تُسمى (الْحَسَن) ، تقع شمال بلدة الأطاولة بخمسة أكيال .
ولم يكن الأمير بخروش بن علاَّس الزهراني ، صاحب مشيخة كما هو الحال بالنسبة لكثيرٍ من المشائخ الذين توارثوا المشيخة كابراً عن كابر على حيَّزٍ من الأرض يعيش عليه مجموعة من الناس في قُرىً متقاربة يجمعها اسم القبيلة ، وإنما كان صاحب إمارة عريضة امتد نفوذها على مساحة شاسعة من الأرض، شملت جميع ديار بني عُمَر بسراة زهران ، حيث كانت قبائل بني بشير ، وبني جُندب ، وبني حُرَير ، وبني عَدوان ، وقريش . تحت نفوذه .
وربما كانت سلطته في فترة من فترات حكمه تشمل ديار زهران قاطبة ، كما سيتضح للقارئ من خلال بعض النصوص التي سنوردها لاحقا .
ويتناقل كبار السن أن الأمير بخروش بن علاَّس ، كان فارسا مقداماً ، ورجل حربٍ مجرب ، التف حوله بضعة آلاف من الرجال الأشاوس ، فألهب في قلوبهم الحماس ضد الحكم الأجنبي وخاض بهم حروباً ضارية ضد الأتراك وأعوانهم أشراف مكة، واستقل بإمارة بني عمر عن الأتراك والأشراف ، وآل عائض . وكاد يتغلب على محمد علي الألباني، حاكم مصر ، وجيوشه الجرَّارة ، لولا خيانة بعض رجاله الذين هالهم كثرة جيوش محمد علي الألباني ، حول حصن الإمارة بوادي قريش .
وكان الأمير بخروش بن علاس ، على خلاف مع الشيخ خميس بن عيدان القفعي ، شيخ قبائل بني أوس ( 5) ، فقد قبض أعوان القفعي على أخٍ لبخروش بن علاس ، وحينما علم شريف مكة بذلك بعث إلي الشيخ خميس القفعي ، برسالة بتاريخ التاسع والعشرين من شهر شعبان سنة 1223يطلب فيها إرساله إليه ، جاء فيها : (وما ذكرت عن أخي بخروش ، وإنه فض _هرب_ فيوم تاريخه جاءنا كتاب من الطائف على أنكم لزمتوه ، فأنت أرسله يَمَّنا مع الرجاجيل الذين يوثقوه(6) . وكانت إمارات ذلك العصر يعجبها حدوث مثل تلك النِّزاعات بين القبائل ليتم إضعافها ، فتتمكن من السيطرة عليها .
حـروبه
كانت الدولة العثمانية على علم وثيق بخطر آل سعود على مصالحها فى الجزء الغربي من الجزيرة العربية ، وكانت تعلم أيضاً مبلغ قوتهم الدينية ، وسرعة تأثيرهم في قلوب الناس واستقطابهم ، لسيرهم على نهج الإسلام القويم فدأب حكامها منذ تحالف الأسرة السعودية الأولى مع شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله ، على مهاجمة ذلك التحالف ومحاربة مؤيديه .
ولما كان الأمير بخروش بن علاس الزهراني ، أحد المؤيدين لحكام آل سعود في سعيهم الحثيث لتوحيد أرض العرب ، وتحكيم الشريعة الغراء في أرجاء البلاد ، ونشر الأمن بين مجتمعاتهم ، فإنَّ ذلكم التأييد أقض مضجع تركيا، وأصابها بقلقٍ بالغ ، إذْ رأت فيه خطراً يهدد مصالحها بالحجاز، فإمارة بخروش متاخمة لولاية الحجاز من الناحية الجنوبية، ومن المعلوم أن حكام الحجاز سائرون في فلك تركيا ، وانضمام بخروش بن علاَّس الزهراني ، إلى الحكومة السعودية يساعد على إحكام الحصار على ولاية الحجاز من ناحيتها الجنوبية ، فيعمل على إضعافها ، ومن ثَمَّ سقوطها في أيدي السعوديين .
أدرك شريف مكة آنذاك ذلك الخطر المحدق بولايته ، فأبلغ محمد علي الألباني ، حاكم مصر بتاريخ الرابع عشر من جمادى الأولى سنة تسع وعشرين ومائتين وألف للهجرة ، بتقرير عن تحركات العربان حول الطائف ، وما يبذله من جهود في سبيل السيطرة على الموقف في تلك الجهات ، كما أفاده بأنه تلقى رسالة خطية من الأمير بخروش الزهراني ، رداً على الرسالة التي وجهها إليه محمد علي الألباني من قبل ، وفي تلك الرسالة تهديد ووعيد لمحمد علي وسخرية منه ومن جنوده . ومما جاء في تقرير الشريف ، المرفوع إلى محمد علي الألباني قوله :
.. قد جاءنا كتاب من الشريف شرف ، وهو صادر لجنابكم وأرسل معه كتاب لجنابكم من بخروش الزهراني الخبيث ، جواب كتابكم ، وكتاب السلحدار أغا والشريف شرف ، وفيه كلام يجل عنه شريف مقامكم ، وتجاسرنا على ترك إرساله إليكم .. ولا تعطينا مروءتنا أن نقرأ كتابه، فكيف نرسله لجنابكم ، وكلاما يتكلم إلاَّ بصفته رجل كافر ، عنيد جاهل فى العقل والدين ، (كذا) وإن شاء الله بخطكم يكون جوابه سيفكم المؤيد بنصر الله .. (7) .
ويذكر المؤرخون أن الأمير بخروش الزهراني ، تحدَّى محمد علي ، وأنَّ رسالته تلك كانت عنيفة اللهجة ذات أسلوب تهكميٍّ ساخر ، ومما قاله فيها : إنه يمتلك دلائل كافية عما يستطيع الوهابيون أنْ يفعلوه إذا اعتزم الباشا القتال معهم ، وعليه أن يُجهز قوات أفضل من تلك التي يتولى قيادتها ، وينبغي أن تكون الخطة الأكثر حكمة هي العودة إلى مصر والاستمتاع بماء النيل العذب (8) .
وللحديث صلةإن شاء الله تعالى .(( الجزء الأول )) يتبع ....المصادر
____________
(1) هو سعدي بن حسن بن راشد الزهراني ، سليل أسرة آل غرسان شيوخ قبيلة بني حرير السابقين .
(2) البدود أي القبائل التي تجتمع في جدٍّ واحد ، فبدود زهران مثلا هم ( بنو عمر ، وبنو دوس ، وبنو أوس) سكان السراة ، ويمثل كل بَدٍّ رجلان ، وهم الستة الذين ذكرتهم الوثيقة ، وثمانية من أربعة بُدُود بني مالك .
(3) شيخ قبيلة دوس بني فهم ، وهي القبيلة المجاورة لقبيلة بني مالك ، تسلم مشيخة دوس بني فهم بعد مقتل أبيه سنة : 1289 .
(4) من وثيقة لدى خضران بن سعيد بن محمد الزهراني ، من قرية القسمة .
(5) هي : قبيلة بني عامر ، وقبيلة بني حسن ، وقبيلة بيضان ، وقبيلة بالخزمر ، وقبيلة بني كنانة ، والأحلاف بتهامة . جميعها تدعى بني أوس ، والعامة تقول : (بني يوس) نسبة إلى أبيهم أوس بن عامر بن حفين بن النمر بن عثمان بن نصر بن زهران . وأما بنو كنانة فتنتمي إلى أخي أوس واسمه كنانة بن عامر .. وباقي النسب كما هو لأخيه أوس ، إلاَّ أن أوسا غلب على هذه القبائل فأصبحت تُدعى بني أوس بما فيها قبيلة بني كنانة .
(6) مكتبة عبدالرحمن بن خميس القفعي ، يرحمه الله .
(7) من وثائق الدولة السعودية الأولى: 449.
(8) جون لويس بوركهارت ، البدو والوهابية : 2/285 . ويقصد بالوهابيين السعوديين .