صوت الباحة
05-31-2006, 01:44 PM
مقارنة في الوصف التصويري بين الشعبي الجنوبي والفصيح..
الوصف بخيال الشاعر أكثر وضوحاً وبعداً من عدسة التصوير الفوتوغرافي
تحقيق وتصوير - إبراهيم الزهراني
الكتابة المجازية والتصويرية بمختلف ادواتها من تشبيه واستعارة شعراً، أو نثراً عند كثير من المفكرين والفلاسفة المسلمين أمثال ابن منظور وسيبويه والفارابي وابن سيناء واليونانيين أمثال أرسطو يعد ميداناً خصباً، اختلفت فيه التسميات والتعريفات من شخص لآخر، بيد أن خلاصة ما ذهب اليه واتفق عليه المفكرون والنقاد هو أن المجاز: يعني الخروج عن المألوف والتوسع في التركيب اللغوي، وقال أرسطو إن المحاكاة والمجاز ضرب من الرسم والصورة والابتكار كون أدوات التعبير اللغوي متعددة الدلالات وأن الشاعر لديه القدرة على اظهار الصور شأنه شأن الفنان، وهو يصورها بالكلمات الغريبة والكلمات المثيرة للدهشة،(1) أما ابن سيناء فقرن المجاز والتشبيه والاستعارة بعملية التخييل واعتبر أطرافاً ثلاثة لهم الدور في ظهور العمل الابداعي وهم الشاعر وهو الركن الرئيس في العملية الإبداعية، واللغة، والمتلقي.
وهنا تتجلى مشاهد في غاية الدقة والوضوح، صورتها قريحة الشاعر المبدع قبل ابتكار عدسة التصوير الفوتوغرافي بمئات السنين، وقد استخدم الشعراء في مختلف العصور ادواتهم البلاغية من تشبيه واستعارة ومجاز في الشعر فصيحاً كان أو مستنبطاً، لاظهار الصور حتى ولو كانت أسطورية أو خرافية ستجدها مرسومة أمام ناظريك من خلال قراءاتها أو سماعها.
وهنا نستعرض بعض شواهد الصورة الشعرية، ومنها كأنموذج للعصر الجاهلي للشاعر عنترة بن شداد في وصفه للإنسان الهرم المتقدم في السن بالصياد الذي يتربص ويغزو للصيد قائلاً:
حنتني حانيات الدهر حتى
كأني خاتل يدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآني
ولست مقيداً أني بقيد(2)
http://www.quraish-z.com/up/uploads/3e84dffba3.jpg (http://www.quraish-z.com/up)
http://www.quraish-z.com/up/uploads/ab80428620.jpg (http://www.quraish-z.com/up)
وفي قصيدة مماثلة لشاعر العرضة الجنوبية المبدع الشاعر عبدالواحد بن سعود الزهراني في صورة رائعة للرجل المسن وظهور الشيب في وصف لا يخلو من الابداع الذي لا يقل روعة ودقة عن الفصيح وهنا يقول عبدالواحد:
يا شيب قدامك الدنيا متاع الغرور
تحنى ظهور (ن) من أسبابك وتبيّض روس
أحسب سوانا يشيب ولا احسب أنا نشيب
لكن زد انحنى ظهري وشيبت انا
وللمقارنة في روعة الصور الشعرية يقول ابن الرومي في وصف تجاعيد الوجه وتقدم السن:
قصرت أخادعه وغار قذاله
فكأنه متربص أن يصفعا
وكأنما صفعت قفاه مرة
فأحس ثانية لها فتجمعا(4)
وتواصلا مع التصوير والوصف بين الفصيح والشعبي ومقارنة بالتصوير الفوتغرافي يقول الشاعر الجاهلي عنترة بن شداد أيضاً في وصفه للذباب عندما يحك ذراعيه بعضهما ببعض مشبهاً ذلك بالشخص المكب على قدح الزناد في صورة رائعة لحركة الذباب المعتاد قائلاً:
غرداً يحك ذراعه بذراعه
فعل المكب على الزناد
http://www.quraish-z.com/up/uploads/6d59ae3773.jpg (http://www.quraish-z.com/up)
والأجذم هو مقطوع اليدين والشاعر وصف الذباب وكأنه رجل مقطوع اليدين يقدح بعودين.
وفي مثل ذلك التصوير والتشبيه رائعة جادت بها قريحة شاعر العرضة والقلطة الشاعر محمد بن حوقان المالكي في وصفه للحرباء، تناول قبح الحرباء وتلونها ومزج بين الأسطورة والواقع وكانت قصيدته رمزية في سياقها ومفرداتها قائلا:
يقولون العالم الحربا تسمى جمل الشيطان
تشتال الشيطان والشيطان ما يحتاج من يشتاله
من حقارتها تقدم خدمة التوصيل بالمجان
مشكلتها ما هي ابداب لسوع ولا بطير يوكل
مشكلتها لو كلت ما تشبع الا من جروح الناس
علموني لونها ذا اللون والا لونها ذاللونا
والا منظرها بغيض وطبعها لايق بلونها
ماعطاها الله من الميزات ما تقهر به الحسادي
الا قصر في خطاويها وطولا في لسانها
وفي التصوير المتحرك يقول ابن الرومي في وصفه للخباز، وتشبيهه لاتساع دائرة الخبز وخفة يد الخباز بصفحة الماء والتموج الدائري المطرد:(3)
ان انسى لم نس خبازاً مررت به
يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفه كرة
وبين رؤيتها قوراء كالقمر
الا بمقدار ما تنداح دائرة
في صفحة الماء يرمي فيه بالحجر(3)
ومن صور الشعر الشعبي القديم من لون يسمى (طرق الجبل) في منطقة الباحة، وهو كثير الشبه بالزهيري الخماسي والسباعي في دولة الكويت وكذلك في منطقة الاحساء ومنه في منطقة الباحة ما يسمى (طرق الجبل) للشاعر أحمد بن جبران في هذا النوع الشبيه بلحن البحارة والذي كان يصدح به الفلاحون والرعاة في رؤوس الجبال وتصدح به النساء أثناء التحطيب والرعي قديماً ومنه هذه السباعية:
أزفر لمن بآموت له ملذوع الاكباد
وانا له في طرد وجهاد
أهو بعد ما حلت انهوده على الباب
وانا لا عارض ولا اشناب
ولا بعد حد يمنا يتهم بظنه
كلنا ورعان جنه
على الوفا ما هو على الكذب استعدنا..
وتلك الصورة لبراءة الطفولة كثيرة الشبه بقول قيس بن الملوح في صفة البراءة والعشق:
تعلقت ليلى وهي ذات ذوائب
ولم يبدُ للاتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا
إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
٭ المراجع:
1 - د. محمود درابسة - جامعة اليرموك بالاردن
2 - (كتاب الحيوان للجاحظ) 3/468
3 - (ديوان ابن الرومي - 1/180).
4 - (1/165) ابن الرومي.
5 - الموروث الشعبي في منطقة الباحة.
الوصف بخيال الشاعر أكثر وضوحاً وبعداً من عدسة التصوير الفوتوغرافي
تحقيق وتصوير - إبراهيم الزهراني
الكتابة المجازية والتصويرية بمختلف ادواتها من تشبيه واستعارة شعراً، أو نثراً عند كثير من المفكرين والفلاسفة المسلمين أمثال ابن منظور وسيبويه والفارابي وابن سيناء واليونانيين أمثال أرسطو يعد ميداناً خصباً، اختلفت فيه التسميات والتعريفات من شخص لآخر، بيد أن خلاصة ما ذهب اليه واتفق عليه المفكرون والنقاد هو أن المجاز: يعني الخروج عن المألوف والتوسع في التركيب اللغوي، وقال أرسطو إن المحاكاة والمجاز ضرب من الرسم والصورة والابتكار كون أدوات التعبير اللغوي متعددة الدلالات وأن الشاعر لديه القدرة على اظهار الصور شأنه شأن الفنان، وهو يصورها بالكلمات الغريبة والكلمات المثيرة للدهشة،(1) أما ابن سيناء فقرن المجاز والتشبيه والاستعارة بعملية التخييل واعتبر أطرافاً ثلاثة لهم الدور في ظهور العمل الابداعي وهم الشاعر وهو الركن الرئيس في العملية الإبداعية، واللغة، والمتلقي.
وهنا تتجلى مشاهد في غاية الدقة والوضوح، صورتها قريحة الشاعر المبدع قبل ابتكار عدسة التصوير الفوتوغرافي بمئات السنين، وقد استخدم الشعراء في مختلف العصور ادواتهم البلاغية من تشبيه واستعارة ومجاز في الشعر فصيحاً كان أو مستنبطاً، لاظهار الصور حتى ولو كانت أسطورية أو خرافية ستجدها مرسومة أمام ناظريك من خلال قراءاتها أو سماعها.
وهنا نستعرض بعض شواهد الصورة الشعرية، ومنها كأنموذج للعصر الجاهلي للشاعر عنترة بن شداد في وصفه للإنسان الهرم المتقدم في السن بالصياد الذي يتربص ويغزو للصيد قائلاً:
حنتني حانيات الدهر حتى
كأني خاتل يدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآني
ولست مقيداً أني بقيد(2)
http://www.quraish-z.com/up/uploads/3e84dffba3.jpg (http://www.quraish-z.com/up)
http://www.quraish-z.com/up/uploads/ab80428620.jpg (http://www.quraish-z.com/up)
وفي قصيدة مماثلة لشاعر العرضة الجنوبية المبدع الشاعر عبدالواحد بن سعود الزهراني في صورة رائعة للرجل المسن وظهور الشيب في وصف لا يخلو من الابداع الذي لا يقل روعة ودقة عن الفصيح وهنا يقول عبدالواحد:
يا شيب قدامك الدنيا متاع الغرور
تحنى ظهور (ن) من أسبابك وتبيّض روس
أحسب سوانا يشيب ولا احسب أنا نشيب
لكن زد انحنى ظهري وشيبت انا
وللمقارنة في روعة الصور الشعرية يقول ابن الرومي في وصف تجاعيد الوجه وتقدم السن:
قصرت أخادعه وغار قذاله
فكأنه متربص أن يصفعا
وكأنما صفعت قفاه مرة
فأحس ثانية لها فتجمعا(4)
وتواصلا مع التصوير والوصف بين الفصيح والشعبي ومقارنة بالتصوير الفوتغرافي يقول الشاعر الجاهلي عنترة بن شداد أيضاً في وصفه للذباب عندما يحك ذراعيه بعضهما ببعض مشبهاً ذلك بالشخص المكب على قدح الزناد في صورة رائعة لحركة الذباب المعتاد قائلاً:
غرداً يحك ذراعه بذراعه
فعل المكب على الزناد
http://www.quraish-z.com/up/uploads/6d59ae3773.jpg (http://www.quraish-z.com/up)
والأجذم هو مقطوع اليدين والشاعر وصف الذباب وكأنه رجل مقطوع اليدين يقدح بعودين.
وفي مثل ذلك التصوير والتشبيه رائعة جادت بها قريحة شاعر العرضة والقلطة الشاعر محمد بن حوقان المالكي في وصفه للحرباء، تناول قبح الحرباء وتلونها ومزج بين الأسطورة والواقع وكانت قصيدته رمزية في سياقها ومفرداتها قائلا:
يقولون العالم الحربا تسمى جمل الشيطان
تشتال الشيطان والشيطان ما يحتاج من يشتاله
من حقارتها تقدم خدمة التوصيل بالمجان
مشكلتها ما هي ابداب لسوع ولا بطير يوكل
مشكلتها لو كلت ما تشبع الا من جروح الناس
علموني لونها ذا اللون والا لونها ذاللونا
والا منظرها بغيض وطبعها لايق بلونها
ماعطاها الله من الميزات ما تقهر به الحسادي
الا قصر في خطاويها وطولا في لسانها
وفي التصوير المتحرك يقول ابن الرومي في وصفه للخباز، وتشبيهه لاتساع دائرة الخبز وخفة يد الخباز بصفحة الماء والتموج الدائري المطرد:(3)
ان انسى لم نس خبازاً مررت به
يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفه كرة
وبين رؤيتها قوراء كالقمر
الا بمقدار ما تنداح دائرة
في صفحة الماء يرمي فيه بالحجر(3)
ومن صور الشعر الشعبي القديم من لون يسمى (طرق الجبل) في منطقة الباحة، وهو كثير الشبه بالزهيري الخماسي والسباعي في دولة الكويت وكذلك في منطقة الاحساء ومنه في منطقة الباحة ما يسمى (طرق الجبل) للشاعر أحمد بن جبران في هذا النوع الشبيه بلحن البحارة والذي كان يصدح به الفلاحون والرعاة في رؤوس الجبال وتصدح به النساء أثناء التحطيب والرعي قديماً ومنه هذه السباعية:
أزفر لمن بآموت له ملذوع الاكباد
وانا له في طرد وجهاد
أهو بعد ما حلت انهوده على الباب
وانا لا عارض ولا اشناب
ولا بعد حد يمنا يتهم بظنه
كلنا ورعان جنه
على الوفا ما هو على الكذب استعدنا..
وتلك الصورة لبراءة الطفولة كثيرة الشبه بقول قيس بن الملوح في صفة البراءة والعشق:
تعلقت ليلى وهي ذات ذوائب
ولم يبدُ للاتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا
إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
٭ المراجع:
1 - د. محمود درابسة - جامعة اليرموك بالاردن
2 - (كتاب الحيوان للجاحظ) 3/468
3 - (ديوان ابن الرومي - 1/180).
4 - (1/165) ابن الرومي.
5 - الموروث الشعبي في منطقة الباحة.